ابن الجوزي

330

صفة الصفوة

ذكر المصطفين من عقلاء المجانين ببغداد 355 - سعدون المجنون قال يحيى بن أيوب : خرجت يوما إلى مقابر باب خراسان ، ثم جلست في موضع أرى منه من يدخل المقابر . فنظرت إلى رجل دخل المقابر مقنّعا فجعل يجول في المقابر كلما رأى قبرا محفورا أو منخسفا وقف عليه وبكى . فقمت رجاء أن أنتفع به ، فلما صرت إليه إذا هو سعدون المعتوه وكان يكون في كوخ مقابر عبد اللّه بن مالك . فقلت له : يا سعدون أيّ شيء تصنع ؟ فقال : يا يحيى هل لك في أن تجلس فنبكي على بلى هذه الأبدان قبل أن تبلي فلا يبكي عليها باك ؟ ثم قال : يا يحيى البكاء من القدوم على اللّه عزّ وجل أولى بنا من البكاء على بلى الأبدان ثم قال : يا يحيى : وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [ سورة التكوير آية : 10 ] ثم صاح صيحة شديدة وقال : وا غوثاه باللّه مما يقابلني في الصحف . قال يحيى : فغشي عليّ فأفقت وهو جالس يمسح وجهي بكمّه وهو يقول : يا يحيى من أشرف منك لو متّ - ؟ . قال الفتح بن شخرف : كان سعدون صاحب محبة للّه ، صام ستّين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنونا لتردّد قوله في المحبة فغاب عنا زمانا فبينا أنا قائم على حلقة ذي النون رأيته عليه جبة صوف وعليها مكتوب : لا تباع ولا تشترى فسمع كلام ذي النون فصرخ وأنشأ يقول : ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي * ولا بدّ من سلوى إذا لم يكن صبر أحمد بن عبد اللّه بن ميمون قال : سمعت ذا النون المصريّ يقول : خرج الناس